Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

جدل حول دوره في الأعمال الإبداعية.. هل يغيّر الـ«AI» قواعد لعبة السينما؟

السبت 09 مايو 2026   4:02:08

مع تسارع التحولات التى تشهدها صناعة السينما يفرض الذكاء الاصطناعى نفسه كلاعب جديد فى إعادة تشكيل العملية الإبداعية، ويفتح مساحة الجدل والنقاش بين صناع الأفلام والنقاد حول محددات استخدامه ودوره فى السينما، وهو السؤال الذى تجدد على هامش فاعليات مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الذى خصص للمرة الثانية مسابقة لأفلام الذكاء الاصطناعى، كمنصة تجريبية تستكشف حدود هذا النمط الجديد من الإنتاج.

شهد المهرجان الذى اختتم فعالياته مؤخرًا حضورًا متنوعًا لأفلام قصيرة تمثل اتجاهات مختلفة، إذ تنافس 16 فيلمًا ضمن مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعى، وهى المسابقة التى تأتى كاستجابة مباشرة لتنامى حضور التكنولوجيا فى صناعة الصورة، إذ أتاحت لصُنّاع الأفلام اختبار أدوات جديدة، وطرح تصورات مغايرة لشكل الحكاية السينمائية، بعيدًا عن قيود الإنتاج التقليدى مع الحفاظ على جوهر السرد البصرى.ت

لا يزال توظيف الذكاء الاصطناعي فى صناعة السينما من أكثر القضايا إثارة للجدل، لتقاطع أبعاده التقنية مع أسئلة إبداعية وأخلاقية معقدة، وهو الجدل الذى بلغ ذروته مع قرار أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة فى الولايات المتحدة، المنظمة لجوائز الأوسكار منع الأفلام المعتمدة على ممثلين أو سيناريوهات مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعى من الترشح للجوائز، مع السماح باستخدامه فى عناصر الإنتاج الأخرى.

وضمــــن الأعمـال التــى شهدها المـهــرجان قـدّم المخــــــرج أسامة السمدونى فيلم القصة السرية لحجر مقدّس للمخرج أسامة السمدونى والذى يعيد فيه تخيّل رحلة حجر رشيد، مستنداً إلى شغف طويل بصناعة السينما، دعّمه بدراسات وورش متخصصة، بينها ماجستير فى صناعة الأفلام من Central Film School فى لندن، إلا أنه يصطدم كغيره من صناع الأفلام المستقلين بعقبة التمويل، التى يرى أن استخدام الذكاء الاصطناعى يمكن أن يسهم فى تجاوزها فى بعض الأحيان، كمساحة بديلة تتيح له إنتاج أعمال بتكلفة أقل وبمرونة أكبر.

ويوضح أن شغفه بالمشروع بدأ عندما وقف أمامتحجر رشيدتفى المتحف البريطانى، حيث لفت انتباهه كيف يمكن لقطعة صامتة أن تحمل تاريخًا كاملاً، وأن تلعب الصدفة دورًا حاسمًا فى تغيير مصيرها وجعلها قطعة ذات قيمة تاريخية وحضارية لا تُقدر بثمن؟

وأضـــاف: رأيــت أن الحكــايــة تستحق أن تُروى بطريقة مختلفة، تسمح للحجر نفسه بأن يكون راوٍ لرحلته، واعتمدت فى بناء وتنفيذ المشروع بشكل كامل على أدوات الذكاء الاصطناعى، التى مكنتنى من بناء عوالم بصرية يصعب تنفيذها بالتصوير التقليدى، مع الحفاظ على طابع واقعى أقرب إلى السينما الحية.

ويصف السمدونى تجربته فى هذا النوع من الإنتاج بإنها عملية مستمرة من التعلم الذاتى والتجريب، حيث يفتـــــح الذكــــاء الاصطنـــــاعى آفـاقًا أوسع فى صناعة الأفلام، خاصة فى مراحل ما قبل الإنتاج، وصولًا إلى المؤثرات البصرية التى يمكن أن تقلّص الميزانيات بشكل ملحوظ حتى فى الأعمال الضخمة، ورغم ذلك يقرّ بوجود فجوة إنسانية فى هذه العملية، تتمثل فى غياب التفاعل المباشر بين فريق العمل، مؤكدًا أنه لا يرى فى الذكاء الاصطناعى بديلاً عن الإنتاج السينمائى الواقعى، لكنه وسيلة موازية لدعمها.

ويأتـــى فيلــم يــوم تــانى للمخــرجين عمــر النجار وسيف الدين حمزة ليقدّم معالجة إنسانية مكثفة لمعاناة مرضى الزهايمر، من خلال قصة امرأة تعانى من تداخل الأزمنة بعد صدمات نفسية متراكمة.

ويوضح عمر النجار أن الفيلم يستند إلى قصة حقيقية، مستوحاة من معاناة جدة صديقه سيف الدين حمزة مع مرض الألزهايمر، وهى تجربة عايش تفاصيلها عن قرب، مما انعكس على بناء الشخصية الرئيسية داخل العمل، مشيرًا إلى أن المشروع بدأ كفكرة لفيلم طويل، قبل أن يتجها إلى تقديمه فى قالب قصير مكثف باستخدام الذكاء الاصطناعى، مما أتاح لهما خلق عالم بصرى كامل من الصفر.

ويشير النجار إلى أن إنتاج فيلم قصير باستخدام هذه الأدوات ليس بالأمر السهل كما يظن البعض، إذ يمر العمل بمراحل عدة تتطلب حسًا فنيًا ومهارة كبيرة فى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى وتطويعها، تبدأ بتحويل القصة إلى سيناريو كامل، ثم إعادة صياغته ليتناسب مع طبيعة الذكاء الاصطناعى، وتصميم الشخصيات بشكل دقيق مع تحديد زوايا التصوير والإيقاع البصرى، إلى جانب ما يُعرف بهندسة الأوامر، فعكس الإنتاج التقليدى ليس هناك حتمية فى خروج المشاهد التى يتم توليدها بصورة محددة، لا توجد صيغة واحدة للأوامر لكنها تعتمد بشكل كبير على التجريب.

ويكشف النجار أن الفريق نفّذ ما بين 6 إلى 7 آلاف عملية توليد بصرى للكادرات ومشاهد الفيديو، فى محاولة للوصول إلى مستوى من التماسك البصرى، خاصة فيما يتعلق بتوحيد ملامح الشــــخصيات والألوان، ويشـــير إلى أن التحدى الأكبر كان فى التعامل مع اللغة العربية داخل الحوار، نظرًا لاعتماد أغلب النماذج على لغات أخرى، مما جعل هذه المرحلة الأكثر تعقيدًا، ورغم ذلك يؤكد أن التجربة كانت ممتعة للغاية، ومنحتهم مساحة غير مسبوقة للخلق، مع الحفاظ على دور المخرج بوصفه المسؤول الأول عن الرؤية الفنية.

ويضيف أن الذكاء الاصطناعى لا يغيّر جوهر الإخراج، بل يفتح أمامه أدوات جديدة، مع تقليل كبير فى التكلفة والوقت، مما قد يتيح ظهور مواهب لم تكن تملك فرص الإنتاج سابقًا.

ومن جانبه يرى الناقد السينمائى أندرو محسن أن الذكاء الاصطناعى أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله داخل صناعة السينما، شأنها شأن جميع المجالات الأخرى، ويستدعى فى هذا السياق تجارب سابقة فى تاريخ السينما، حين قوبلت تحولات مثل دخول الصوت أو الألوان برفض واسع قبل أن تُقبل لاحقًا، معتبرًا أن ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل امتداد لمسار تطورى، يحتاج إلى نقاش موضوعى يوازن بين الفرص والمخاطر.

 لكن الإشكالية الحقيقية كما يوضح تكمن فى كيفية توظيفه دون أن يخل بالعملية الإبداعية وعناصر العمل الفنى، مشيرًا إلى أن النقاش الدائر حاليًا يتجاوز حدود التقنية، ليشمل قضايا أوسع تتعلق بمستقبل المهن الإبداعية، وحقوق الملكية الفكرية، والضوابط الأخلاقية فى ظل قدرة هذه الأدوات على إنتاج محتوى شديد الدقة.

ويلفت محسن إلى أن توظيف هذه الأدوات والتقنيات يمكن أن يكون مفيدًا فى اختصار الوقــــت والتكلفـــة خاصـــة فــــى مراحل مـــــا قبــل الإنتاج أو أعمال التصميم والتحريك والمؤثرات البصرية، لكنه يحــــذر مــــن تركـــه يتــولى العملية كاملة، لما يحمله ذلك من تهديد لفكرة االمؤلفب السينمائى مؤكدًا على أهمية الشفافية، بحيث يكون واضحًا للمشاهد دور هذه الأدوات داخل العمــل، وهـــو ما يســتدعى وضع لوائح تنظيمية تحدد حدود استخدامها، ولا يغفل الإشارة إلى المحـاذير المرتبطـــــة بهــذه التكنــولوجيــا مثل احتمالات تكرار الأنماط البصرية وفقدان التفرد الفنى، أو طمس الفروق بين المواهب، إلى جانب القضايا الأخلاقية المرتبطة بإعادة استخدام صور أو أصوات فنانين دون إذنهم.




تواصل معنا